الشيخ محمد هادي معرفة
296
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وصورة المسلمين قبل أن يسلموا ، وهم « عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ » . « 1 » وصورة الذي « أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ » « 2 » كلّها صور تخيّل للحسّ حركة متوقّعة في كلّ لحظة ، وتتمّ هذه الحركة في الصورة الأخيرة . وقريب من هذه الصور في التخييل ولوج « الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » ، « 3 » الموعد المضروب لدخول الكافرين الجنّة بعد عمر طويل . فالخيال يظلّ عاكفا على تمثّل هذه الحركة العجيبة ، التي لاتتمّ ولا تقف ماتابعها الخيال . والصورة التي تخيّلها الآية : « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » . « 4 » فالخيال يظلّ يتصوّر تلك الحركة الدائبة : حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات اللّه ، في غير ماتوقّف ولا انتهاء إلّا أن ينتهي البحر بالنفاد . وشبيه بهذه الصور ما تخيّله للحسّ هذه الآية : « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » « 5 » والآية : « وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ » « 6 » فلفظة الزحزحة ذاتها تخيّل حركتها المعهودة . وهذه الحركة تخيّل الموقف على شفا النار ، ماثلًا للخيال والأبصار . * * * * ولون من ألوان « التخييل » يتمثّل في الحركة المتخيّلة التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل : « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » « 7 » فتخيّل صورة الهباء المنثور التي هي صورة حسّية لإضاعة الأعمال ، وقد تقدّم ذلك . والآن تلفتنا فيها لفظة « وَقَدِمْنا » أنّها تخيّل للحسّ حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء . وهذا التخييل يتوارى بكلّ تأكيد لو قيل : وجعلنا عملهم هباء منثورا . حيث كانت تنفرد حركة النثر وصورة الهباء دون الحركة التي تسبقها حركة القدوم .
--> ( 1 ) - آل عمران 103 : 3 . ( 2 ) - التوبة 109 : 9 . ( 3 ) - الأعراف 40 : 7 . ( 4 ) - الكهف 109 : 18 . ( 5 ) - آل عمران 185 : 3 . ( 6 ) - البقرة 96 : 2 . ( 7 ) - الفرقان 23 : 25 .